الأدب

سيرة زهير بن أبي سلمى

زهير بن ابي سلمى

عد الشعر الجاهلي من ارفع الاداب في هذا العصر، ولا يزال ارفعه في نظر العديد من النقاد الى يومنا هذا، فقد وصفوه بانه رجوع الى الاصالة، وابداع في ترجمة العواطف، وتميز في صياغة القصيدة بكامل عناصرها؛ فالشعر نحو العرب له شان في تخليد تاريخهم وتمجيد ماثرهم، لذا فقد كان للشاعر اكبر منزلة بين قومه.[١] فكيف يكون الوضع ان تميز الشعر بالصدق، والتعقل، والرزانة، والتهذيب، والتنقيح! كان ذلك حال شعر زهير بن ابي سلمى الذي يعتبر من اشهر شعراء العصر الجاهلي، وثالث ثلاثة من المتقدمين على ساير الشعراء في هذه المرحلة مع امري القيس والنابغة الذبياني، الامر الذي صرف الادباء الى الاجماع على انه شاعر الحسن والحكمة، والداعي الى الخير والاصلاح بين ابناء قبيلته وما حولها.[٢]

نسب زهير بن ابي سلمى وحياته

هو زهير بن ابي سلمى ربيعة بن رباح المزني، من قبيلة مزينة، كني ابوه بابنته سلمى، فقيل له: ابو سلمى ربيعة. ولد زهير بن ابي سلمى عام 520م في الحاجر، وترعرع في حاجر من ارض نجد قرب اراضي غطفان بشان المدينة المنورة، بعد ان اختلف والده مع اصهاره بشان توزيع الغنايم على اثر غارة على بني طي، فرحل مع اهله الى ارض غطفان، وهناك نشا زهير.[٣]

عاش زهير يتيم الاب منذ طفولته، فتزوجت امه من اوس بن حجر الذي يعتبر من افضل الشعراء في العصر الجاهلي، فلزمه زهير، وتعلم على يديه، وحفظ اشعاره حتى استطاع ان ينظم قصايده بلون جديد، ما حدى بقبيلته ان تلتفت له وتقدره اكبر تقدير. وما جعل موهبة زهير تلمع اكثر هي ترعرعه في كنف خاله بشامة بن الغدير، الذي اتخذه ولدا احبه واعتنى به، واورثه الشعر والاخلاق والمال.[٣]

تزوج زهير امراة اسمها ليلى، ولقبت بام اوفى، بل لم يعش لهم اولاد؛ فقد ماتوا جميعهم صغارا، فطلقها، وتزوج كبشة فتاة عمار بن سحيم؛ احد بني عبد الله بن غطفان، وانجبت له ولدين هما كعب وبجير، الا انه وجد صعوبة في تفهم خصالها، فرغب بالعودة الى قرينته الاولى بعد عشرين سنة من طلاقهما، الا ان ام اوفى قد رفضت ذلك. كان زهير بن ابي سلمى من المعمرين؛ فقد عاش تسعين سنة او اكثر؛ فمعلقته الشهيرة دلت على انه كان في الثمانين من عمره عندما كتبها:[٣]

سيمت تكليفات الحياة ومن يعش
ثمانين حولا لا ابا لك يسام

عوامل هيات نبوغ شعر زهير بن ابي سلمى

هناك الكثير من الاسباب التي اثرت في شعر زهير بن ابي سلمى، ومنها:[٢]

  • نشوء زهير في منزل شعر عريق، كان شعراوه من المشهود لهم، ومنهم ابوه ربيعة، وخاله الشاعر بشامة بن الغدير، وزوج امه اوس بن حجر، واختاه الخنساء وسلمى، وابناه كعب وبجير.
  • تاثره بخاله الشاعر بشامة بن الغدير الذي تربى في كنفه؛ فقد اورثه الحكمة والرزانة والهدوء، والرابطة التي جمعته مع الشاعر اوس بن حجر الذي تميز بدقة الوصف، واجادة التشبيه، فتتلمذ على يديه، واخد يروي عنه قصايده .
  • عمره الطويل ساعده على اكتساب الخبرة، ومعرفة ظروف الناس وطبايعهم، والافادة من خبرات من سبقوه، لذا نقح شعره من الاخطاء التي حدث فيها غيره.
  • تاثره بالثقافة الدينية التي سيطرت عصره؛ حيث قد كانت الحكمة، والخير، والاستقامة، والاخلاق العامة تتجلى في قصايده.
  • تربيته التي اثرت في طبعه وشعره؛ فكان مترويا متزنا مسالما في طبعه، بعيدا كل البعد عن الشر، يضفي وقار شيخوخته على اقواله؛ فهو سيد قومه، اوامره ونواهيه يضفيها بقالب من السكون والحكمة، فكان يحرص على التاني في قول الشعر، حتى عرف عنه بانه كان يحكم حولا كاملا في نظمها وتنقيحها وعرضها على اخصايه؛ حتى سميت قصايده بالحوليات.

ما تميز به شعر زهير بن ابي سلمى

اهم ما ميز شعر زهير بن ابي سلمى مجموعة من الاغراض الشعرية:[٢]

  • المدح: مدح زهير بن ابي سلمى اثنين من اسياد العرب، هما هرم بن سنان، والحارث بن عوف، وهذا على اثر اصلاحهما بين قبيلتي عبس وذيبان، اللتين تقاتلتا نتيجة لـ سباق؛ فقد كان العرب في القدم يعقدون حلقات سباق يراهنون فيها على الخيول، فدخل سيد بني عبس قيس بن زهير بجواده داحس، في حين دخل حمل بن بدر من قبيلة ذيبان السباق بفرسه التي تسمى الغبراء، وعندما حان وقت السباق خاف حمل بن بدر ان تخسر فرسه السباق، فدبر مكيدة مع بعض فتيان قومه؛ ليعيقوا سبيل داحس بضرب وجهه اذا سبق الغبراء، وذلك ما فعله الفتيان، فانكشفت الحيلة وقامت الحرب بين القبيلتين، وفي ذلك الحين ظلت ما يقارب اربعين عاما، نتج عنها العديد من الدمار والهلاك، فنظم قصيدة من ستين بيتا يمدح فيها المصلحين بصدق ودون مبالغة، ويحذر القبيلتين من اضمار الحقد، كما يصف الحرب واهوالها.
  • الوصف: عاش الشاعر في بيية يغلب عليها طابع البداوة؛ حيث وصف رحيل الاحبة عنه، والاطلال، وتغنى بالخيول والنوق والصيد، ايضا وصف الحروب وما نتج عنها من دمار وهلاك وصفا دقيقا، ومما ساعد الشاعر زهيرا بن ابي سلمى على هذا هو مقدرته على التامل، وحسه المرهف، ودقة ملاحظته؛ فكانت له تمكن على ترجمة كل ما تقع عليه عيناه وتحويله الى اشعار، ومن ابياته التي اعتقاد الحيوان بحركاته وهيياته:
بها العين والارام يمشين خلفة
واطلاوها ينهضن من كل مجثم
  • الرثاء: هو احد اغراض الشعر التي استخدمها زهير في رثاء هرم بن سنان، فرثاه بعاطفة حزينة تعبر بصدق عن حبه لسيده، ومن اشهر ابياته التي قالها في رثاء هرم بن سنان:[٤]
ان المسافرين لتبتغي ذا مرة
بجنوب نخل اذا الشهور احلت
ينعين خير الناس نحو شديدة
عظمت مصيبته هناك وجلت

سمات شعر زهير بن ابي سلمى

ابرز مواصفات وسمات شعر زهير بن ابي سلمى، ما ياتي:[٣]

  • العاطفة وان حضرت بين الحين والاخر في شعر زهير بن ابي سلمى، الا انها لم تكن سمة رييسة في شعره؛ فابواب الغزل مقفولة فيه الا في موضعها ولزومها؛ لهذا يرى ان قصايده اتت لتحدث الذهن قبل الفواد في قالب من الوقار والحكمة في ضييل من العاطفة العقلية التي تكسر هذا الجمود، وتوقظ مكارم الاخلاق والشرف.
  • زهير بن ابي سلمى شاعر جاهلي، يخاطب مجتمعه الجاهلي دون فلسفة، بعبارات طفيفة قابلة للفهم السريع، لذا فان قصايده بعيدة عن التعقيد والغموض، مع جزالة الالفاظ بطريقة متين.
  • شعره اقرب ما يكون الى الطريقة التعليمي بما فيه من حكم، ووضوح فكري، ورصانة في اختيار العبارات، والبعد عن العاطفة القلبية، تستخلص منه دروس وارشادات لا ترى نحو شعراء عصره.
  • كان يطلق على قصايده الحوليات؛ فهو يكتب الشعر، ثم ينقحه ويهذبه، ويعرضه على اخصايه في سنة، وذلك ما ميز شعره بخلوه من الاخطاء.

الامر الذي قيل في زهير بن ابي سلمى

تحدثت شخصيات بارزة عن زهير بن ابي سلمى، ومن هذا كان ما ياتي:[٢]

  • وصف عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين زهيرا بن ابي سلمى بشاعر الشعراء؛ وهذا لانه لا يحابي احدا في الباطل، ولا يمدح رجلا بخصاله الا ما يكون فيه، ولصدق شعره وفصاحته.
  • عندما كان الخليفة معاوية بن ابي سفيان مجتمعا مع الاحنف بن قيس، ساله عن اشعر الشعراء، فاجابه الاخير: زهير بن ابي سلمى، فقال معاوية: وكيف ذلك قال: لانه ياخذ من الخطاب ما هو خيره، ويترك لبقية الشعراء فضلات الكلام.
  • قد صرح محمد بن سلام الجمحي صاحب كتاب طبقات فحول الشعراء عن زهير بن ابي سلمى: انه افضل من كتب الشعر في عصره، واكثر الشعراء بعدا عن سخف الامور، واكثرهم حكمة وبساطة في اختيار عباراته.

بعض ابيات عالقة زهير بن ابي سلمى

تتحدث المعلقة التي كتبها الشاعر زهير بن ابي سلمى وتتكون من 59 بيتا، عن النهوض على الاطلال، والاظعان، ومدح محاولات المصالحين في السلام، وفي ذلك الحين وجه قسما منها الى المتحاربين وما يضمرونه من حقد على بعضهم، وفي نهايتها يتحدث في الحكم، ومن تلك الابيات:[١]

امن ام اوفى دمنة لم تكلم
بحومانة الدراج فالمتثلم
ودار لها بالرقمتين كانها
مراجع وشم في نواشر معصم
بها العين والارام يمشين خلفة
واطلاوها ينهضن من كل مجثم
وقفت بها من بعد عشرين حجة
فلايا عرفات الدار بعد التوهم
اثافي سفعا في معرس مرجل
ونويا كجذم الحوض لم يتثلم
فلما عرفات الدار قلت لربعها
الا عم صباحا ايها الربع واسلم
تبصر خليلي هل ترى من ظعاين
تحملن بالعلياء من فوق جرثم
علون بانماط عتاق وكلة
وراد حواشيها مشاكهة الدم
وفيهن ملهى للصديق ومنظر
انيق لعين الناظر المتوسم
بكرن بكورا واستحرن بسحرة
فهن لوادي الرس كاليد للفم
جعلن القنان عن يمين وحزنه
ومن بالقنان من محل ومحرم
ظهرن من السوبان ثم جزعنه
على كل قيني قشيب مفام
كان فتاة العهن في كل منزل
نزلن به حب الفنا لم يحطم
فلما وردن الماء زرقا جمامه
وضعن عصي الحاضر المتخيم
سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما
تبزل ما بين العشيرة بالدم
فاقسمت بالبيت الذي طاف حوله
رجال بنوه من قريش وجرهم
يمينا لنعم السيدان وجدتما
على كل حال من سحيل ومبرم
تداركتما عبسا وذبيان بعدما
تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
وقد قلتما ان ندرك السلم واسعا
بمال ومعروف من الامر نسلم
فاصبحتما منها على خير موطن
بعيدين فيها من عقوق وماثم
عظيمين في عليا معد وغيرها
ومن يستبح كنزا من المجد يعظم

وفاة زهير بن ابي سلمى

راى زهير في منامه ان هناك ما اتاه وصعد به الى السماء، فلما وصلها كاد ان يمسها بيده الا انه لم يستطع، فهبط به الى الارض، فلما كان على فراش الوفاة يحتضر قص روياه على ابنه كعب، وفسر منامه ببعثة رسول ياتي في اخر الزمان، فاوصى اولاده ان جاء ان يومنوا به، فلما بعث النبي محمد -عليه العلاقات والسلام- اسلم ابنه كعب، وكتب قصيدته الشهيرة بانت سعاد. مات زهير بن ابي سلمى سنة 631م، عن عمر يناهز تسعين سنة او اكثر، وقالت الخنساء ترثي اخاها زهيرا:[٥]

وما يغني توقي المرء شييا
وعلا عقد التميم ولا الغضار
اذا لاقى منيته فامسى
يساق به، وفي ذلك الحين حق الحذار
ولاقاه من الايام يوم
كما من قبل لم يخلد قدار
الوسوم
اظهر المزيد

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: